محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء
20
الظرف والظرفاء
« أما تأثيرها في صفاء النفس ورقتها ، فدليله أنا نجد أجلاف العرب ورعاة البهم ومن جانبهم من اغشام الأمم الذين لم يتصفوا قط بعلم ولا حكمة . إذا أحبوا رقت طباعهم وصفت أذهانهم وشرفت نفوسهم وعلت هممهم ولطف ادراكهم ، ومن جملتهم مجنون ليلى ، فان المحبة انطقته بالحكمة نظريا ونثرا ، وبلغت به غاية لم يبلغها كثير من الناس بالرياضة ، حتى صارت أحواله حجة على المحبين ، وأقواله شاهدا على صحة دعواهم . ولولا المحبة التي اتصف بها لم يخرج عن أهل طبقته من الجهال » . ويذهب ابن الدباغ مذهب الوشاء في تخصيص العفة بالخاصة دون العامة ويصرح في مجال التعلق بالجمال بمفهوم معين بالعوام « 42 » . ومثل موقف ابن الدباغ يقف محيي الدين بن عربي وابن الخطيب . اما الشخصيات التاريخية التي يعرضها الوشاء ، فهي تنتمي إلى الخاصة مثل عاتكة ونائلة ابنة الفرافصة وحبيش وسلامّة . هذه الشخصيات مختلفة في تركيبها ولكنها تلتقي جميعا في الشرف . فنائلة ابنة الفرافصة التي ربما كانت نصرانية ، زوجة عثمان ، التي كان لها دور في الدفاع عن زوجها يوم الدار ، حفظت زمام زوجها ورفضت الزواج من معاوية . وحبيش ، كانت على دين أهل الجاهلية ، والشخصية البارزة كانت عاتكة المزواج ومع أنها ترد في عداد اللواتي غدرن بحب أزواجهن ، إذ تزوجت أولا من عبد اللّه بن أبي بكر وقتل عنها يوم الطائف ، ثم تزوجت من عمر بن الخطاب حتى قتله أبو لؤلؤة ، ثم تزوجت من الزبير بن العوام حتى قتل عنها منصرفا عن الجمل بوادي السباع . إلا أن الوشاء يعرضها بشكل يجعلنا نتفهم موقفها ونتعاطف معه ، ولربما دلت على المرأة المرغوبة لكفاءتها وشرفها أو لربما أعاد لنا هذا الزواج صورة زواج النخوة عند العرب ، ومن ذلك عرض معاوية على ابنة الفرافصة الزواج منها ، ومثل هذا الزواج معروف في السابق ، ولربما ضمت مثله قصص الزواج التي أوردها ابن حبيب في ( المردفات من قريش ) . لقد عالج الوشاء قضية المرأة من وجهة نظر واقعية . فلم تكن عنده قضية
--> ( 42 ) - نفسه ، 120 .